يا للخسارة!
شبكة البصرة
بقلم: ناهض حتر
منذ نيسان ,2003 بح صوتنا وجفت اقلامنا, وحوصرنا ولاقينا اصنافا من العنف, ونحن نناشد الحكومة الاردنية, ان تتبصر الوضع العراقي, فلا تنزلق الى الادارة اليومية, وبالقطعة, لسياساتها ازاء العراق, ولا تتابع الامريكيين, خطوة بخطوة, من غير ان ترى الطريق, فتتعثر وتقع في مأزق استراتيجي.
قلنا, وألمحنا بأن المصلحة الاستراتيجية للاردن, تكمن في عدم الاعتراف بالصيغ السياسية التي انشأها وينشئها الاحتلال الامريكي في العراق. وقد كان ذلك ممكنا. فالضغوط الامريكية كان يمكنها ان تلزم الحكومة الاردنية على المستوى الامني. ولكن ليس على المستوى السياسي, اذ يوجد في البلد قوى سياسية وبرلمان ورأي عام, وكان يمكن الاحتماء بالآليات الديمقراطية من اجل موقف مبدئي لا يعترف بشرعية »مجلس الحكم« ومن بعده »الحكومة المؤقتة«, والان, الانتخابات/المهزلة!
والامر لا يتعلق -دائما- بالضغوط, ولكن بضعف الرؤية السياسية.
لقد حدثني رئىس الوزراء الاسبق, علي ابو الراغب, صيف ,2003 ان الامريكيين قادرون على ترتيب الاوضاع في العراق, وان المدخل الوحيد الى هذا البلد, يمر عبر الصداقة مع بريمر!
ثم حدثني رئيس الوزراء الحالي, واثقا هو الآخر, ان حكومة علاوي سوف تضبط الوضع الامني في غضون ثلاثة اشهر. وان المقاومة العراقية سوف تنتهي عما قريب!
وكنا نقول -وما زلنا- ان المقاومة العراقية متجذرة ومتصاعدة ومنظمة ولا يمكن قهرها ابدا, وانه لا حل, سياسيا, من دونها.
وقد طالبنا, مرارا وتكرارا, بفتح الخطوط مع المقاومين, وخصوصا القوة الرئيسية في المقاومة العراقية, وهي حزب البعث, والتنسيق السياسي مع حلفائنا التقليديين في العراق, من اجل الحفاظ على مصالح الاردن الاستراتيجية في هذا البلد.
سار الامريكيون من صيغة الى صيغة; ومن فشل الى فشل. وقد سارت الحكومة الاردنية, وراءهم, حتى اصطدمت بالجدار.
سقط »مجلس الحكم«, وتحمست الحكومة الاردنية لصديقها القديم علاوي الذي تنبأنا بأن حكومته لن تعيش اكثر من ستة اشهر. فهو تصرف -منذ اللحظة الاولى- كأداة للامريكيين, وتلطخت يداه بدماء النجف والفلوجة, وفقد صدقيته السياسية, مغضوبا عليه -الان- من كل الاطراف العراقية. ولن ينجح في الانتخابات الا بالتزوير, فليس له اية قاعدة اجتماعية.
الان, يريد الامريكيون -باصرار- التعامل مع صيغة الاحزاب الايرانية المدعومة من المرجعية الشيعية. وقد تحالفت هذه الاحزاب في قائمة هي الاقدر على حصد الاصوات (مع الانتباه الى انها عاجزة عن الاعلان عن اسماء اعضائها!) ولهذه الاحزاب ميليشيات وتحظى بالدعم المالي والسياسي من قبل قوة اقليمية رئيسية هي ايران.
الامريكيون الملزوزون في مأزقهم الامني والسياسي في العراق, براجماتيون الى درجة انهم مستعدون للتعاون مع رجال طهران لانقاذ مشروعهم في العراق. واذا جاءت حكومة عراقية برئاسة عبدالعزيز الحكيم وعضوية ابراهيم الجعفري واحمد الجلبي, فان الاردن سيواجه وضعا صعبا للغاية.
فلأول مرة يكون حكام العراق معادين للكيان الاردني, وللمصالح الاردنية. ولكن فلنتذكر ان هؤلاء هم ثمرة الاحتلال الامريكي للعراق.
كان بامكان الحكومة الاردنية ان تراكم نفوذا قويا في العراق, ورصيدا تستخدمه الان, لو انها لم تسر وراء الامريكيين, وقدمت مبادرات مستقلة, ومساعدات, ودعما معنويا للشعب العراقي المناضل, وفتحت خطوطا مع البعثيين والاسلاميين والصدريين الخ.. لكنها لم تفعل! بل انها لم تدن -حتى- عمليات الابادة الجماعية لاهالي الفلوجة على ايدي الاحتلال وحكومته المؤقتة.
والان!
من يستمع الى صرخاتنا?! لقد خسرنا جميع القوى العراقية الفاعلة, ليس لنا نفوذ ابدا بعد ان استهلكنا رأسمالنا الرمزي في ارضاء »الحلفاء« الامريكيين.
نعم. كان لدينا رأسمال رمزي كبير في العراق.. وفي كل الاوساط السنية والشيعية, البعثية والاسلامية, لدى البسطاء ولدى النخب.
لكن.. يا للخسارة!
***
نقولها ونحن موجوعون وقلقون على مستقبل العراق, آملين ان نتعلم الدرس.. ونصغي , من الآن فصاعدا, للرأي الآخر.
خادع الحرمين
15-01-2005, 02:07 AM
اخي العزيز
انه لمن المعلوم لكل ذي بصر وبصيرة ان الاردن واقصد السياسي هو سبب ما آلت اليه الامور في العراق، ولن اكون مبالغا اذا ما قلت لك ان الاراضي الاردنية كانت منطلقا رئيسيا للهجوم على بغداد ، وان جسم المعركة كان من الاردن ،فنحنموجودون ونعرف ولكن ما العمل مع ابن الانجليزيه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
احمد صقر
19-01-2005, 08:50 PM
ثقافة الإستسلام عند كتاب صحيفة الحياة
فهمي هويدي
لنعترف: أصبحت ثقافة الإستسلام إحدى معالم الزمن العربي الذي نعيشه, حتى غدت وباء ظهرت أعراضه في العديد من الأقطار العربية. لذلك أزعم أن كتاب بلال الحسن الذي صدر تحت ذلك العنوان بمثابة وثيقة مهمة تفضح خطاب الإستسلام كما عبرت عنه بعض "مراجعه".
***
كنت قد أشرت إلى مضمون الكتاب قبل اسبوعين, في سياق استعراض الشواهد والقرائن التي تسوغ وصف العام المنقضي بأنه "عام الإختراق الكبير", ولفت نظري فيما تلقيته من أصداء ورسائل بعد النشر ثلاثة أمور. الأول أن ما اسميته بمثقفي "المارينز" ليسوا مقصورين على مصر وحدها, ولكن أصبح لهم وجودهم وخطابهم المكشوف في طول الأمة العربية وعرضها, من المحيط إلى الخليج, الأمر الذي يعطي إنطباعاً قوياً بأن ثمة خللاً ما في أوساط المثقفين العرب.
الأمر الثاني أن عدداً غير قليل من الرسائل التي تلقيتها طالبني بعرض كتاب "ثقافة الإستسلام" لبسط حقائقه أمام الناس. أما الأمر الثالث فقد كان دعوة إلى تشكيل تجمع ثقافي عربي باسم مناهضي الإستسلام, على غرار التجمعات الأخرى القائمة مثل مناهضي العولمة ومناهضي التطبيع.
وإذ أحيل الإقتراح إلى من يهمه الأمر من "النشطاء" لبحثه والتحقق من جدواه, فإن استجابتي ستكون محصورة في عرض مضمون الكتاب الذي صدر في بيروت قبل أسابيع قليلة. وكنت قد أشرت إلى أنه قدم قراءة نقدية لأفكار وخطاب خمسة من الكتاب العرب في أقطار مختلفة هم: كنعان مكيه (العراق) - حازم صاغيه (لبنان) - صالح بشير والعفيف الأخضر (تونس) - أمين المهدي (مصري).
أما كتابات هؤلاء العرب فهي بالدرجة الأولى مقالات نشرتها صحيفة "الحياة" اللندنية, خلال السنوات الخمس الأخيرة, وتعلقت أساساً بالصراع العربي الإسرائيلي, والعلاقات العربية الأمريكية. وما فعله بلال الحسن أنه جمع الأفكار المتناثرة التي عبر عنها كل واحد منهم في كتاباته, وضمها جنباً إلى جنب, الأمر الذي بيَّن من خلاله للقارئ حقيقة وأبعاد الصورة المراد طبعها وترسيخها في أذهان المتلقين. ولم تكن المشكلة في طبيعة أو شطط الأفكار التي أقتنعوا بها, فكل واحد حر في قناعاته الشخصية, ولكنها كانت بالدرجة الأولى في تسويق تلك الأفكار, وبلبلة القراء بواسطتها, ومن ثم إشاعة ثقافة الهزيمة والإستسلام بين الناس.
***
خلاص العراق يكون بنبذ العروبة وإقامة الفيدرالية, أما خلاص الأمة العربية فيكون بالتخلي عن فكرة القومية العربية والتطبيع مع إسرائيل. هذه هي الفكرة المحورية في كتابات كنعان مكيه, الباحث عراقي الأصل, الذي يقيم في الولايات المتحدة, ولكنه يحمل الجنسية البريطانية, وهو من خصص له مؤلف الكتاب الفصل الأول, الذي تضمن عرضاً لأفكاره منذ ان بدأ حياته السياسية معارضا لنظام الرئيس السابق صدام حسين, وصار لاحقاً عضوا نشطاً في الترتيبات الأمريكية للإطاحة به, ولإعادة رسم خريطة المنطقة العربية من بعده.
في عام ,91 بعد حرب الخليج الثانية وقيام الإنتفاضة الشعبية العراقية التي نجح نظام صدام حسين في القضاء عليها, نشر مكيه مقالاً دعا فيه الى إقامة نظام علماني في العراق يغلب عليه التشيع بإعتباره وصفاً أمثل, لأن العلمانيين الشيعة أقل إنجذاباً للقضايا القومية, زاعماً في هذا الصدد أن "العروبة هي شأن سنِّي إلى حد بعيد". وكانت تلك هي المرة الأولى التي تطرح فيها فكرة الإنتقاص من عروبة العراق, على أساس من التحليل الطائفي.
استمر مكيه يدعو إلى فكرته في كل مناسبة. إذ في دراسة قدمها إلى معهد "أمريكان انتربرايز" في واشنطن (3/10/2002) كرر فيها قوله أن العراق "يجب أن يكون لكل ابنائه, مما يتطلب أن يكون عراقاً غير عربي" - كما أنه لن يكون ديمقراطياً إلا إذا كان فيدرالياً. (بين العرب والأكراد).
الفكرة استقبلت بترحيب ملحوظ في الدوائر الأمريكية, حولت صاحبها إلى واحد من المتحدثين البارزين عن مستقبل العراق في مراكز الأبحاث ومعامل إتخاذ القرار. ورفع من رصيده لدى تلك الدوائر أن الرجل أقام علاقة جيدة مع الإسرائيليين, وزار تل أبيب عدة مرات, التي منحته جامعتها شهادة الدكتوراه الفخرية.
في تطوير لفكرته ربط مكيه بين وجود الأنظمة العربية المستبدة وبين الصراع العربي الإسرائيلي, (كأن العالم العربي لم يعرف الاستبداد - في اليمن مثلاً - قبل ميلاد دولة إسرائيل) - وبنى على ذلك أنه لكي يتخلص العرب من الإستبداد, فيتعين عليهم أن يتخلوا عن صراعهم مع إسرائيل. وفي رأيه أن ذلك لن يتحقق إلا إذا تخلصوا مما اسماه "ايديولوجية القومية العربية", وما استصحبته من دعوات للتضامن أو الوحدة العربية.
في هذا السياق فإنه يدعو إلى نسيان الماضي وتجاوز التاريخ وبالتالي غض الطرف عن كل ما جرى في فلسطين طيلة القرن الماضي, ومن ثم التطلع إلى المستقبل وحده والتعلق بآماله ومنافعه. - في هذا الصدد يقول ما نصه: "يتطلب البدء بتكلم لغة السلام (مع إسرائيل) إعطاء الأولوية لحاجات المستقبل بدل مفاهيم وتفاسير الماضي, بما في ذلك مشاعر الظلم أو المرارة المشروعة التي يشعر بها الكثير من الفلسطينيين... علينا أن ننبذ بصورة نهائية تلك السياسات القائمة على التشبث المهووس بالتاريخ, وما فيه من مظالم" - (لاحظ أنه يطالب العرب وحدهم بنسيان التاريخ, ولا يطالب الإسرائيليين الذين كل مشروعهم خارج من رحم التاريخ).
هكذا, فإن كنعان مكيه يبدأ من معارضة النظام العراقي, لينتهي إلى ضرورة التخلي عن كل افكارنا, من الإنتماء العربي إلى إدراكنا لعدالة القضية الفلسطينية, معتبراً أن قبول الفلسطينيين والعرب بشروط إسرائيل والتطبيع معها هو ترجيح لمنطق "المنفعة الذاتية". وفي نظره فإن الذين يرفضون هذا المنطق بحجة "المصلحة العامة", هم دعاة تدمير وحروب أهلية (حربجية كما قال أحدهم في مصر).
***
خيط التطبيع المجاني مع إسرائيل الذي دعا إليه مكيه رصده المؤلف في مقالات مشتركة كتبها كل من حازم صاغيه وصالح بشير. وهما يبسطان المسألة على النحو التالي:
- الافتراض الأساسي أن الإسرائيليين (المتفوقين اقتصادياً) لا يجدون في العالم العربي اليوم الجاذبية التي تطلق حماسهم للسلام معه. بإعتبار أن المنطقة العربية ليست مثالاً يحتذى في أي شيء!, خصوصاً في ظل هيمنة الثقافة غير الديمقراطية عليها الأمر الذي "يؤسس قاعدة صلبة لعجزنا عن مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي".
- إضافة إلى ذلك فإن "فكرة السلام بذاتها ما تزال مرفوضة في المنطقة, وهذا يصح على العرب, كما يصح على الإسرائيليين" - فالإسرائيليون يرفضون السلام بسبب "الهواجس الأمنية", والعرب يرفضونه بسبب "نبذ التطبيع".
- العرب لا يستطيعون حل مسألة الهواجس الأمنية لأنهم لا يملكون القوة. وبسبب قوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية فإن العرب يصبحون الطرف المتضرر من إبتسار العملية السلمية. "وإذا كان المأزق الراهن عربياً أولاً وأخيراً, فإن مسؤولية المبادرة بالخروج منه تقع على الجانب العربي".
- إزاء ذلك "ربما أصبح التطبيع الوسيلة الوحيدة المتاحة بين أيدي الجانب العربي... والوسيلة التي تسبق بقية مراحل السلام, لا أن تكون ناتجة عنها" - أما المبادرة إلى ذلك فهي بيد المثقفين و "الحيز الثقافي".
هذا التشخيص أورده الكاتبان في وقت مبكر نسبياً (مقالة نشرت في 1/8/97 تحت عنوان "لا بد أولاً من تذليل عقبتي الأمن والتطبيع"), وفيها أعتبرا أن المشكلة عند العرب, وعليهم أن يبادروا إلى حلها, بإشاعة الثقافة الديمقراطية والمبادرة إلى التطبيع مع إسرائيل لكسب ثقتها, وهذا التطبيع ينبغي أن يبدأ ثقافياً, بنسيان القضية الفلسطينية والقفز فوقها.
ثمة نص آخر غريب نشر للكاتبين (في 18/12/2000) أعتبرا فيه أن الإنتفاضة الفلسطينية من تجليات معركة العرب ضد الحداثة - والحداثة في هذه الحالة هي إسرائيل. وذهبا في هذا الصدد إلى القول بأن الإنتفاضة حركة دون حداثة, في حين أن إسرائيل حداثة دون حق.
في المقالة المشتركة أشارا إلى متوازيات بين الموقف الإسرائيلي والفعل الفلسطيني على النحو التالي:
- الحداثة دون حق (إسرائيل) توازي الحق دون حداثة (الإنتفاضة).
- السلوك الإسرائيلي يندرج في خانة إندرجت فيها الأمبراطوريات الإستعمارية والحالة النازية, واستلهام الهمجية الأولى - أما الإنتفاضة فتندرج في خانة الاحترابات الأهلية والدينية.
- سياسة إسرائيل تترك حدود الدولة - الأمة معلقة على التوسع. وسياسة الإنتفاضة عرضة للإنكفاء عن الدولة - الأمة, والنكوص عنها إلى جماعة دموية أو دينية.
ليس ذلك فحسب, وإنما تدين المقالة مواجهة العرب للإستعمار, وتعتبر أن الإنتفاضة ضد حداثة إسرائيل بمثابة امتداد لمنهج عربي وقف ضد الإستعمار (الغرب) رافضاً الحداثة التي يمثلها. وتخلص إلى نتيجة تطالب بضرورة المفاضلة بين تكاليف مكافحة الغرب وبين انعكاس ذلك على صلتنا بالحداثة, بحيث إذا تبين أن خسارتنا الأكبر في هذه الحالة, عزفنا عن المواجهة والمكافحة.. وهو التحليل الذي يدعونا في نهاية المطاف إلى القبول بالإستعمار والقبول بإحتلال إسرائيل.
بعد الضوء الذي سلطه على موقف الكاتبين, تتبع المؤلف كتابات حازم صاغيه الرافضة لفكرة الثورة والنضال, والداعية إلى التحالف مع الإستعمار "حتى لا نبقى خارج الحداثة".. الأمر يخلص منه القارئ إلى ان الفشل العربي في مواجهة الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل, لا تتحمل مسؤوليته القوى الاستعمارية التي دعمت الحركة الصهيونية وفتحت لها أبواب الهجرة إلى فلسطين, بل يتحمل العرب مسؤوليته, لأنهم أختاروا ألا يتحالفوا مع الإستعمار, ومن ثم بقوا خارج الحداثة ودونها.
في مسعى تفكيك القضية الفلسطينية وتفريغها من مضمونها, فإن الكاتب يقلل من أهمية الاستيطان وتقطيع الأراضي الفلسطينية, مدعياً أن الجغرافيا لا أهمية لها, وأن الأهم هو السلام. وفي الوقت ذاته فإنه يدعو إلى إبعاد ملف اللاجئين عن أي تعامل مع القضية الفلسطينية, محبذاً فكرة إسقاط حق العودة لهم. ثم انه يتهم مجتمعاتنا بالتخلف لأنها لم ترتق بعد إلى مستوى القبول بالتطبيع, ويذهب إلى أنها تعظم "الشهادة", لأنها مجتمعات زراعية تعيش ثقافتها على هامش الفلكلور.
أكثر من ذلك فإن الكاتب حين يتحدث عن أهمية التطبيع الثقافي, فإنه يدعونا إلى إعادة النظر في مشروعية وجود إسرائيل, بحيث ترى كحق وليس كأمر واقع; ذاهباً في هذا الصدد إلى أن لها الحق في الوجود بالمنطقة العربية كما للسوريين واللبنانيين والعراقيين. لأن وجودها هو من نتائج الحرب العالمية الأولى, كما أن وجود لبنان وسوريا والعراق (كدول) هو من نتاج تلك الحرب - (لاحظ أن الكاتب يتجاهل حقيقة أن الدول العربية المشار إليها لم تغتصب أرض أحد, ولم تستجلب شعوبها من الخارج وتطرد أصحاب الأرض كما في الحالة الإسرائيلية) - ثم أن وجود إسرائيل هو أيضاً من نتائج المحرقة النازية في الحرب الثانية, التي تمثل مأساة إنسانية كبرى, لا بد أن يتعاطف معها العرب, على نحو يجعلهم "يتفهمون" الأسباب والمبررات الأخلاقية لقيام دولة إسرائيل!?
***
"الشرق معقد لأنه ما زال محكوماً بجنون اللامعقول, الذي يجعل الرموز والمباني أقدس من الحياة. معقد هو الشرق لأنه لم يعرف بعد ثقافة السلام, أي التسامح, والتسليم بالحق في الإختلاف, والقدرة على وضع النفس موضع الآخر, لفهمه وتفهمه, للتفاوض معه لا مع النفس".
هذا واحد من نصوص عدة قدم بها بلال الحسن الموقف الفكري للكاتب التونسي, الشيوعي السابق, عفيف الأخضر. وهو نص مفتاح, لأنه يفسر هجاء الأخضر وازدراءه لكل ما هو عربي وإسلامي, في الماضي والحاضر, ومن ثم حماسه المفرط لما هو أمريكي واسرائيلي بطبيعة الحال. وهذا الحماس جعله ينحاز ضد المقاومة الفلسطينية, وبالذات العمليات الاستشهادية, ويتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يتهم العرب بعامة والفلسطينيين خاصة بأنهم ضد السلام.
في التعبير عن إعجابه بالنموذج الإسرائيلي دعا الأخضر الفلسطينيين والعرب إلى "ممارسة ديمقراطية تستلهم النموذج الإسرائيلي", وأعتبر أن "إسرائيل هي الحل" - قائلاً بأن: وجود إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط يمكن تحويله من خطر إلى فرصة, بما هي دولة غنية (بالمعونة الأمريكية?!) وحديثة وديمقراطية قد تكون قدوة حسنة لمحيطها الفقير, التقليدي واللاديمقراطي, وتكون قاطرته نحو الحداثة".. ومن خلاء بناء "سياسة مشتركة... لإنقاذ البحث العلمي العربي.. لأن إسرائيل تضاهي الغرب في هذا المجال".. و "من خلال زراعية مشتركة, لأن تحديث الزراعة في إسرائيل يضاهي الغرب". و "من خلال سياسة اقتصادية مشتركة تنقلنا إلى عالم المعلوماتية". الأهم من ذلك كله أن اسرائيل - في نظر الكاتب - قادرة على أن تساعدنا على "تحديث اللغة العربية على غرار اللغة العبرية" (!) - مقالة نشرت في 24/7/.1999
ذلك كله - بما فيه تحديث اللغة العربية ! - يمكن أن يحدث للعالم العربي بشرط واحد: أن يسلم للإسرائيليين بما يريدون وينسى القضية الفلسطينية!
"خامسهم" كاتب هاو غير معروف في مصر اسمه أمين المهدي افسحت له جريدة "الحياة" صفحاتها حيناً من الدهر - (صار يكتب بعد ذلك في بعض الصحف الطائفية والإسرائيلية) - فنشرت له مقالات محدودة خصصها لهجاء العرب والتغزل في الحركة الصهيونية والإعجاب المفرط بإسرائيل إلى حد الدفاع عن الاستيطان, الذي أعتبر أنه زحف إلى فلسطين, بعدما "تبلورت أسسه الاجتماعية في إطار فكر متحرر أوروبي النشأة". وفي كتاباته ردد مختلف المقولات التي سبق أن مررنا بها, ولكنه تفوق على أقرانه بإمتداحه للحركة الصهيونية التي قال عنها في إحدى مقالاته (نشرت بالحياة في 11/2/2000): جاءت الصهيونية إلى بلاد العرب, عبارة عن ايديولوجية خلاصية شعبية. وهنا تكمن في دوافعها وجوانبها الانسانية.. وسلكت الصهيونية في التنفيذ مسلكاً علمانياً عقلانياً, مؤسسياً وديمقراطياً".
في مقالة أخرى كتبها صاحبنا ونشرها الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت" (في 11/11/2002) كتب مؤيداً النزعة الأمريكية الامبراطورية, واصفاً إياها بأنها تعبير عن "صعود عصر الشعوب" من خلال "تآكل مفهوم السيادة الوطنية". أما تطلع المسلمين إلى توحيد صفوفهم بعد سقوط الدولة العثمانية, فقد وصفه في مقالة تالية بأنه "محاولة لتحدي التقدم والإستعمار الذي طرحته الحضارة الأوروبية"!
إن المشكلة - للآسف - ليست فقط في الترويج لهذه الثقافة البائسة, ولكنها أيضاً في الأجواء التي هيأت مناخاً مواتياً لإطلاق ذلك القدر من السموم من خلال المنابر الإعلامية العربية. ويتضاعف الأسف إذا أدركنا أن تلك الجرعة من السموم جرى بثها من منبر واحد, فما بالك إذا جمعنا الكتابات المماثلة التي حفلت بها المنابر الأخرى.
شبكة البصرة
الاربعاء 8 ذي الحجة 1425 / 19 كانون الثاني 2005
Powered by vBulletin® Version 4.1.11 Copyright © 2025 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved